آلية القضاء على الفساد في القرآن
قال الله تعالى (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض)(1).
إذ أردنا أن نقضي على الفساد و بؤره في المجتمع يلزم علينا أن نعرف الفساد و أسبابه، لنتمكن من محاولة الحل من الجذر، و الا كان العمل هباءً منثورا.
و لقد أعطانا القرآن الكريم تصوّراً متكاملاً عن الانحراف و نتيجته من الهلاك. و من تلك الاسباب:
البطر في المعيشة، قال تعالى: (و كم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها)(2) فإن البطر يوجب عدم رؤية شيء سوى المادة و اللذة و ما يتبعانه من الفساد و الإفساد.
الظلم كما قال تعالى: (و لقد أهلكنا القرون من قبلكم لمّا ظلموا)(3).
الفسق قال تعالى: (هل يهلك الا القوم الفاسقون)(4) و قال تعالى: (و إذا أردنا أن نهلك قريةٌ أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول)(5).
عدم العمل بكلام الناصحين، قال تعالى: (فكذبوه فأهلكناهم)(6) و قوله تعالى (و لكن لا تحبون الناصحين)(7).
اتباع الملوك و المستبدين قال تعالى :(ان الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها و جعلوا اعزة اهلها اذلة و كذلك يفعلون و اني مرسلة بهدية)(8).
عدم التدبر في القول و اتباع الآباء و اتهام الرسل و عدم اتباعهم كما قال تعالى (افلم يتدبروا القول ام جاءهم ما لم يأت آبائهم الاولين ام لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ام يقولون به جنة بل جاءهـــم بالحق و اكثرهـــم للحق كارهون و لو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السماوات و الأرض)(9).
و لا يمكن القضاء على نتائج الفساد الا عبر التغيير في الواقع، لأن الفساد لا يكون الا عبر أسبابه، و ما دامت الأسباب مستمرة فالمسببات أيضاً مستمرة، لأن الدنيا دار أسباب و مسببات، كما قال تعالى: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)(10).
و ينبغي في عمليّة الإصلاح مراعات عدة أمور للوصول إلى الهدف:
أولاً: نزاهة المصلحين
يتوجب في المصلحين النزاهة، و إلا فإن كلامهم يفقد أثره، بل يكون تأثيره عكسيّاً حيث إن الناس يقولون لو كان الكلام صحيحاً لعمل قائله به.
و لذا نهى القرآن عن الـــقول من غير عـــمــــل بل اعتبره مـــقــتـــاً كبيرا (لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(11) و انطلاقاً من ذلك فإن الأنبياء و الأئمة(عليهم السلام) الذين اختارهم الله تعالى لإنقاذ الناس إنما هم معصومون و منزهون عن كل عصيان و خطأ لسد هذه الثغرة (إن الله اصطفى آدم و نوحاً و آل إبراهيم و آل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض و الله سميع عليم)(12) و بعد ذلك جعلهم الله الأسوة قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة)(13) و قال أيضاً (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين معه)(14).
) أوكلت المهمة إلى العالم الرباني إذا كان صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه،و عبر الشورى (وأمرهم شورى بينهم)(15).
فلذا كان النموذج الإيجابي هو أقصر الطرق للوصول إلى الهدف المنشود، و النموذج السلبي هو أهم سبب لإبتعاد الناس عن الإصلاح و تنفرهم عنه..
ثانياً: عدم استعداد المجتمع
الإصلاح لا يمكن أن يكون دفعة واحدة، بل ككل أمور الكون يكون بالتدريج و شيئاً فشيئاً، فتوقع الإنقلاب الدفعي في غير محله.
فالمصلح يجب عليه أن يراعي حالة التدرج، فيكتشف في طريقه الخامات التي يمكنه الإعتماد عليها في عمليّة الإصلاح و يبتعد عن من كان يتوهم أنهم يفيدونه ثم تبيّن عدم صلاحيتهم، و مداراة المجتمع عبر التواضع و الإحترام و التحمل و الحلم و سائر مكارم الأخلاق لتخفيف حدة التوتر، لكي لا يأخذ المجتمع موقفاً سلبياً منه سلفاً، فيغلق فكره و عقله عليه. قال تعالى: (فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى)(16).
و كان ذلك دأب الأنبياء لكي يتهيأ المجتمع نفسيّاً و عمليّاً لقبول الإصلاح. قال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك)(17) ، ومن هذا المنطلق نرى التدرج في آيات الأحكام، كي يتهيّأ المجتمع لها.
ثالثاً: الحكمة
و هي مراعاة ظروف الزمان و المكان و طريقة البيان، قال تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن)(18) فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه ليؤثر اثره، ثم الوعظ الذي يتركز على ذكر إيجابيات العمل الصالح و سلبيات العمل الطالح ليتحرك الإنسان من منطلق وجدانه و مصلحته، ثم التسلح بالنقاش و الجدل السليم الصحيح و لذلك لتفنيد أدلة المفسدين و إقناع الناس بالصالح.
رابعاً: إشاعة الجو الصالح
فإنه من أهم المرغبات، و العكس بالعكس، لأن الإنسان يُحبُّ أن يحاكي بني نوعه إن خيراً فخير و إن شراً فشر، لذا كانت إشاعة الفاحشة من أشد المحرمات (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذي آمنوا لهم عذاب أليم)(19).
و يتم تهيئة الجو الصالح عبر مختلف البرامج مع مراعاة ظروف الزمان و المكان.
خامساً: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
فإن كل عمل يعمله الإنسان لو يخلوا من أثر عاجلاً أو آجلاً (و قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون)(20) و الكلام من العمل الذي يؤثر أثره سواءً كان













